ورغم أنّ الكاتب باولو جوردانو ينقل كلّ هذا الواقع الذي يعيشه مثل غيره، إلّا أنّه اختار أن يتأمّلَ في هذا الوضع الجديد. فلدى المؤلّف قدرة في النظر إلى غور الأشياء رغم المشاعر والآراء والأفكار والرغبات المتضاربة، وكذلك رغم ما يكتنف مصير العالم من غموض جراء هذه الجائحة. فقد فرض الفيروس على الجميع وقفة لا يُعرف كم وقتًا تستمرّ. في الأثناء نشير إلى أنّ اختيار الكاتب كلمة "العدوى" عنوانًا لعمله، لِما في ذلك من ترابط وتواصل بين البشر مَهْما تباعدت الفضاءات وعَلت الحدود الفاصلة بين الدول والمجتمعات. فالوباء ينتشر، أمّا العدوى فتنتقل، من شخص إلى آخر. وهو ما يجعلنا في علاقة متبادلة مع البيئة بكل ما في ذلك من معنى.
إذ يكشف لنا الفيروس عن تَعقُّد العالم الذي نسكنه، تَعقُّد حيثياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأيضا النفسية. فما نمرُّ به له طابع فوق الهوية والثقافة. يجبرنا على بذل جهدٍ خياليٍّ لا نعتاد القيام به في الأوضاع الطبيعية: أن نرى أنفسنا مرتبطين بالآخرين بشكلٍ غير منفصلٍ، وأن نأخُذَ بعينِ الاعتبار وجودهم في اختياراتنا الفرديّة. في العدوى نحن كائنٌ واحدٌ، نعود لنكون جماعةً. في العدوى غياب التضامن هو قبل كلّ شيء عيبٌ في التخيّل.
لقد اختار المؤلف عدم الانطلاق من التفلسف المجرّد في التطرّق لموضوع الفيروس والعدوى، وقد ساعده في ذلك المنطق الرياضي المحايد الذي استند إليه. وجدير بالذكر في هذا المقام أن نشير إلى أن باولو جوردانو هو فيزيائي التكوين والاشتغال إلى جانب كونه كاتبا، وهو ما أضفى على الكتاب مسحة خاصة. باولو جوردانو من مواليد عام 1982 في مدينة تورينو في شمال إيطاليا. وقد سبق له أن فاز بجائزة "ستريغا" الإيطالية المرموقة عن رواية "عزلة الأرقام الأولى"، الصادرة عن دار موندادوري 2008، وأنّ آخر إصداراته رواية "اِلتِهام السماء" عن دار إناودي 2019.
الكتاب: في العدوى
تأليف: باولو جوردانو
الناشر: مشروع كلمة - أبوظبي
سنة النشر: 2020
عدد الصفحات: 71 ص.