
اختُلِقت لتلك الجماعات المجتثّة هويات وقوميات عدّة: آشورية وكلدانية وسريانية وفينيقية وقبطية، إلاّ أن تكون عربية. وصارت العناوين التي تعقد تحتها المؤتمرات واللّقاءات في الغرب، بشأن مناصرة المسيحية "المستضعفة"، وتطارح إشكالياتها وقضاياها، تحت مسمّيات "مسيحيو الشّرق"، مع تغييب متعمّد لنعت "المسيحيين العرب" أو "المسيحية العربية". وغالبا ما تنتهي خلاصة الحديث في تلك اللّقاءات إلى تصوير المسيحيين المشارقة كبش فداء، واتهام الإسلام أوّلا والعرب المسلمين ثانيا. والغريب أن المغرَّر بهم صدّقوا ذلك، وراحوا يتملّصون مما يربطهم بمهدهم الحضاري الشّامل والرحب. تذكّرني واقعة نفي الهويّة والتملّص منها بحكاية شائعة في الغرب الإسلامي -تروي أنّه سئل بغل عن والده -الحمار-، استحى من ذكره، فردّ قائلا: خالي الحصان!!-.
آخر تلك النّدوات التي عقدت لتباحث مستقبل المسيحية العربية كانت خلال اليومين 16 و17 من شهر نوفمبر من العام المنصرم، بدعوة من المعهد العالمي لعلوم الأديان بباريس، والتي حضرها لفيف من رموز المسيحية العربية، منهم البطريارك ميشال الصبّاح، والأب أميل شوفاني، ورئيس أساقفة بغداد يوحنا بنيامين سليمان، والمطران جورج خضر، والأب اليسوعي المصري سمير خليل سمير. كما حضرها جمع من الغربيين ممن ينشغلون بالأديان، منهم المأسوف على ثوريته المفكّر ريجيس دوبري.
المسيحية العربية محنتها الأساسيّة واردة ممن يدّعون أنهم حماتها وأوصياء عليها، ولكن الاعتراف بذلك الواقع يتطلّب شجاعة روحية في مستوى صدق السيّد المسيح، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، في حادثة "من لم يفعلها منكم فليرمها بحجر". فمن سخرية القدر أن المسيحيين -على افتراض أن بوش وآله منهم- هم من يجلُون ويهجّرون أتباع المسيح من دورهم وأراضيهم في العراق. فقد كان البلد يضم قبيل الحرب ما يربو على نصف مليون مسيحي، تراجع العدد مع حملة "اللاّهوتيين المحافظين" إلى ما يقارب المائتي ألف. كما أنّ أعوان بوش في فلسطين السّليبة هم من يهجّرون المسيحيين الفلسطينيين، لا حركتا "حماس" و"الجهاد" "المتطرّفتين" كما يروَّج بهتانا.