
الكتابة الشعرية هي فعل ممارسة للواقعية والّلغة. والواقعي هو ما يشغله الشاعر في خلق عمله الشعري ، في فهمه الصافي والمباشر للعالم. فالشاعر، في حال من الأحوال ،هو المتحكم في الدوال التي تنساق له. فضلا عن أنّ الكلام الشعري يفتح المجال واسعا أمام حقل إمكانات اللغة، ويتيح انفتاحا ما على المعنى، نحو مظاهر جديدة من الواقعية التي ينجح في اقتحامها. والواقعي ليس بالضرورة الواقعية ، بالرغم من أن أحد تجلياته الكبرى هو تمثّل الأثر القادم من فيض الواقعية . الواقعي هو دائما ما ننتظر ، على حد تعبير (ه. مالديني) وهو يساهم انطلاقا من المرعب أوالعقدي أوالهدم الذهاني psychotique ، أو اختفاء الموضوع/ الشخص المحبوب. والشعر هو الحاجة الملحاح إلى إثبات الكينونة التي تحفز فعل الإنسان. وهو يعكس في نفس الآن نزعة اللاّتحقق التي تقود الأسراب المدحّنة ، وعزيمة التحقق التي تطول الآخرين ممّن يستطيبون متعة النفوذ، فتقودهم رهانات الخطاطة الجوفاء على حساب الحقيقة الكاملة للكينونة الإنسانية.
وباب الشعر ليس لها مزلاج ولا مفتاح . بيد أنه يظل يقاوم من أجل اللاّنغلاق. ولايستطيع ولوجه إلا السّحرة الأبرياء الذين اعتادوا على نار التطهير. ولقد سئل الشاعر الأرجنتيني الكبير (روبيرتو خواروس ( 1925-1995) على غرار الكثيرين ، حول الكنه العميق للشعر ، فأجاب قائلا: (الشعر ميتالغة تعيد الارتباط بواقع ما... هو مخاتل لكلّ شكل تصنيفي ولكل تحقيق منتظم ، لأنه أكبر من الواقع)(2)
ففي الشّعر تمتد فيزيولوجيا الإدراك و فينمولوجيا التجربة الرؤيوية، في أبعادها النفسية وموضوعاتها ها المنفلتة، بين فيزيقا الواقعي وميتافيزيقا المرئي واللاّ ّمرئي ، لتفتح أما م الشاعر منفذا للعبور إلى سيرورات وظواهر ذهانية تعمل لأجل كشف شعرية الواقعي.
إنّ الحدث الواقعي يتم استيعابه في عالم الشعر "عبر" و"من خلال" مقدمات العمل الشعري. أمّا الواقعي/ الشعري فهو ما لايمكن تجليته. الواقعي هو المباغت الغامض الذي يجتاح الأنا ويأسره. وعليه ، فالمباغتة وفق هنا السّمت الباطني، هي عنصر مشارك للكينونة. ويمكن القول أنّ الواقعية تبدأ من حيث ينتهي الحديث عن الواقعي ، إذا ما اعتبرناه سمة تعبيرية ملازمة للشاعر. الواقعية هي المعنى النثري التي يضفيه قارئ الشعر للملمة الشتات المرجعي للتعبير الشعري . ذلك أنّّ الشعر يدعم الحاجة الجذرية للإنصات للآخر، من خلال إشراكه في عوالم الترميز والإيحاء، وإغوائه بمغازلة المتلاشي المجاور للاّمسمّى، وبالتّالي ، حفزه على كشف القناع وفك الحصار عن عزلته الخجولة.